بالأفعال لا الأقوال

 

قال (ص):« والذي نفسي بيده لتدخلن الجنة كلُّكم إلا من أبى وشرد على الله كشُرود البعير. قالوا: ومن يأبى أن يدخل الجنة؟! فقال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى » 1.

قال الحسن البصري وغيره من السلف: «زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية فقال:(قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ )[آل عمران: 31]» 2.

ولذ أحسن الإمام ابن القيم غاية الإحسان حين قال:

«لمَّا كثر المدَّعون للمحبة طولبوا بإقامة البيِّنة على صحَّة الدعوى، فلو أُعطيالناس بدعواهم لادَّعى الخليُّ حرقة الشَّجي، فتنوع المدَّعون في الشهود، فقيل:لا تُقبل هذه الدعوى إلا ببيِّنة:(قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ )[آل عمران: 31]،فتأخَّر الخلق كلُّهم، وثبت أتباع الحبيب في أفعاله وأخلاقه،فطولبوا بعدالة البيِّنة بتزكية: (يُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوۡمَةَ لَآٮِٕمٍ۬)[المائدة: 54] فتأخَّر أكثر المحبين وقام المجاهدون » 3.

وليس المحبة مجرَّد اتباع بل أكثر، لأن للمحبة الصادقة علامات، « فالمحب الصادق يرى خيانة منه لمحبوبه أن يتحرك بحركة اختيارية في غير مرضاته، وإذا فعل فعلا مما أبيح له بموجب طبيعته وشهوته تاب منه كما يتوب من الذنب، ولا يزال هذا الأمر يقوى عنده حتى تنقلب مباحاته كلها طاعات، فيحتسب نومه وفطره وراحته كما يحتسب قومته وصومه واجتهاده، وهو دائما بين سراء يشكر الله عليها، وضراء يصبر عليها، فهو سائر إلى الله دائما في نومه ويقظته » 4.

وكل يدَّعــي حُبَّا لليــــــلى           وليـــــــلى لا تُقِرُّ لهــــم بِذاكــــــا

بل تشهد الجنة بكذب هؤلاء لعدم بذلهم، وزيف ادعائهم لحبها بسيرهم عكس طريقها، وكأني بكُثيِّر عزة ينشدكم ويقول:

إن المحبَّ إذا أحب حبيبــــه            صــدق الصفاء وأنجز الموعدا

وغيره من العشاق قدَّم عربون محبته وشارة لوعته فأنشد قائلا:

لي في محـبته شهــــودٌ أربــــعٌ ... وشهــــودُ كلِّ قضـــــــــية اثنان

ذوبـانُ جسمــي وارتعـادُ مفاصلي ... وخفوقُ قلبي واعتقالُ لساني

فكيف بعاشق الجنة؟!

أخي..

« لو كان في قلبك محبة لبان أثرها على جسدك!!» 5.

حبيبي..

شر البرق ما لا مطر معه، فلا تكن كلاما بلا فعل، وصوتا بلا أثر، وشجرا بلا ثمر، فقديرى العبد نور الجنة ولا يتبعه:(وَتَرَٮٰهُمۡ يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ وَهُمۡ لَا يُبۡصِرُونَ )[الأعراف: 198]، وقد يشهد كل الخير في قربها ثم لا يُقبِل عليها، كما « قد يُبصر العبد الحق ولا توجد منه الهداية كما قال تعالى: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيۡنَـٰهُمۡ فَٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡعَمَىٰ عَلَى ٱلۡهُدَىٰ) [فصلت: 17] » 7، فشوّقوا النفس بأخبار الجنة ثم صدِّقوا ذلك بالعمل، وإلا كان محبتكم أوهاما باطلة، فماذا أنتم صانعون يا محبون؟!


([1])صحيح : كما في السلسلة الصحيحة رقم : 2044

([2])تفسير ابن كثير 1/477

([3]) مدارج السالكين 3/8

([4]) مفتاح دار السعادة 1/159

([5])المدهش ص 350

([6])مدارج السالكين 3/514

 

 

اضف تعليقك

لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية

احصائيات الموقع

حاليا يتواجد 147 زوار  على الموقع