معا نصنع الفجر القادم

مجموعة: ابدأ العمل

هذه رسالة مشتعلة، لم أكتب سطورها بقلم مقـطوف من أشجار الجنة، بل بحطبة من جهنم، تلتهب كلماتها التهاباً، لتلهب نفوس هذا الجيل وأهل الحمية، بل كل من كان في نفسه بقية مروءة وأخلاق شهامة، فقد بحثت لكم في بطون الكتب عن كل حرف حماسة وكلمة عزيمة وحشدته لكم هنا ما بين آية من كتاب الله وحديث لنبيه .

اقلب دولة قلبك

في وقت اجتاح فيه الصليبيون بلاد الشام ودمروا القدس الشريف ودنسوا الأقصى المبارك كان الشيخ عبد القادر الجيلاني 470-561 يصيح: الاعتراض على الحق عند نزول الأقدار موت الدين .. موت التوحيد .. موت التوكل والإخلاص .. يقول رحمه الله للمسلمين: لا تعترضوا على الحق سبحانه عند نزول الأقدار، ومنها أقدار الهزيمة والضعف والذل والهوان، فإن في اعتراضكم موت الدين، لأن أقدار الله التي نزلت بكم تناسب قدر إيمانكم وضعف نفوسكم!! فهاجم الناس في تقصيرهم وبُعدهم عن ربهم، وكان من مواعظه التي فضحت أحوالهم دون مواربة: "ملائكتكم تتعجب من وقاحتكم، تتعجب من كثرة كذبكم في أحوالكم، تتعجب من كذبكم في توحيدكم، كل حديثكم في الغلاء والرخص، وأحوال السلاطين والأغنياء، أكل فلان، لبس فلان، تزوج فلان، استغنى فلان، افتقر فلان" .. حال من تصف يا إمام؟! حالهم أم حالنا؟!

ولأن كلمات اللسان وحدها لا تغيِّر الواقع المُرَّ، وحده العمل هو الذي يغيِّر، وأول العمل: إصلاح النفس، لذا قال رحمه الله في موضع ثالث:

النفس كلها شر في شر، فإذا جوهدت واطمأنت أصبحت كلها خيرًا في خير .. لكن عبد القادر الجيلاني لم يكتفِ بهذه الكلمات، فلم تكن كلماته هذه سوى خطوة واحدة ضمن نهضة تربوية شاملة ومن عشرات الدروس التي ألقاها الشيخ على مسامع الناس في بغداد، تلك الدروس التي بدأت بالرجلين والثلاثة عام 521 للهجرة حتى صار مجلسه يضم سبعين ألفًا، ثم تزايد الإقبال عليه أكثر، وصار الناس يقبلون إليه من كل مكان، حتى ضاقت مدرسته بالناس فكان يجلس عند سور بغداد يعظ، وتاب على يديه خلق كثير ومعظم أهل بغداد، حتى قال هو عن نفسه: وقد تاب على يديَّ من العيارين وقطاع الطرق أكثر من مائة ألف .. كان الصليبيون في هذا الوقت قد دنسوا الأقصى المبارك، وحولوا قبة الصخرة إلى كنيسة، وقلبوا المصلى المرواني إلى إسطبل للخيل، وجعلوا جامعه الكبير فندقًا لفرسان أوروبا، وقتلوا عشرات الآلاف في ساحاته المباركة!! فشخَّص الجيلاني الداء، وحدَّد الدواء الذي ليس من جرعاته الاعتراض على قدر الله، ولا مجرَّد شتم الصليبيين أو الدعاء عليهم من بعيد، ولا دموع الحسرة أو بكائيات الألسنة أو مراثي الشعراء، بل مواجهة النفوس فحسب ثم تغييرها وتهذيبها، وعندها يختارها الله ويمنحها شرف المشاركة في المهمة المقدسة: تحرير المسجد الأقصى .. وقد كان، فقد نشأ الجيل المسلم الذي تربى على هذه الدروس الإيمانية الجيلانية المباركة حتى تشبعت بها كل ذرة من جسده، فكوَّن هذا الجيل فيما بعد الصفوة التي أنجبت صلاح الدين، وصنعت جيل حطين، وقادت جموع المسلمين لتحرير القدس والأقصى، وبقي علينا أن نتربى على ما تربوا عليه، ونتشرَّب ما تشرَّبوه، حتى ندرك ما أدركوه ..

 
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية

احصائيات الموقع

حاليا يتواجد 122 زوار  على الموقع