اضغط كليك يمين ثم حفظ

الرزاق

وارزقنا وأنت خير الرازقين


اولا: الرزق رزقان: عام، وخاص:

  1. فالرزق العام هو رزق الأبدان، وهو (رؤية الأرزاق)، وهذا متاحٌ لجميع الخلق، فسهَّل الله لهم الأرزاق التي تقوم بها حياتهم، وهو رزق عام للبر، والفاجر، والمسلم، والكافر، بل للآدميين وغيرهم من الجن والملائكة، والحيوانات، والخلائق كلها.

وهو رزق عامٌّ كذلك من وجه آخر باعتبار أحوال المكلَّفين تجاه الحلال والحرام، فقد يكون رزقًا حلالًا، لا تبعة على العبد فيه، وقد يكون رزقًا حرامًا يُعاقَب عليه، وكلاهما سماه الله رزقًا، فيُقال ((رَزَقه الله)) سواء رُزِقَ به من حلال، أو من حرام.

  1. الرزق الخاص:

وهو رزق القلوب بكنوز الإيمان وثروات الطاعات البدنية والقلبية، فإن القلوب في غاية الافتقار إليهما، وهذا الرزق لا يناله إلا الأبرار؛ وإن كانوا أفقر الناس مالًا وأرقُّهم حالًا، ونستطيع أن نطلق على هذا الرزق: (رؤية الرزاق في الأرزاق).

فينبغي للعبد إذا دعا ربه في حصول الرزق أن يستحضر بقلبه هذين الرزقين، ومن هنا استعاذ النبي (صلى الله عليه وسلم) من الكفر والفقر، فالكفر ذهاب رزق الدين وهو الأخطر، والفقر ضياع رزق الدنيا.

عرف ربه الرزاق مَن سأله الرزق الإيماني، ولم يكتفِ بالرزق المادي فحسب.

ما عرف ربه الرزاق مَن لم يسأله في دعائه أن يوسِّع رزقه المادي أو الإيماني.

ثانيًا: لماذا الله (خير الرازقين)؟! عشرة أسباب

لكن لماذا سمَّى الله نفسه خير الرازقين؟!

  • لأن الله سبحانه خير من رزق، وأفضل من أعطى.

  • ولأن رزق الله باعتبار إفادته للعبد وشدة احتياج العبد له هو خير الأرزاق على الإطلاق.

  • ولأن الله يرزق من آمن به وعبده، ومن كفَرَ به وجَحَده، ويعطي من سأله، ومن لم يسأله.

  • ولأن (خير الرزقين) هو من ينفق من خزائن لا تفنى، بل ولا ينقص منها شيء مهما أُنفِق منها.

  • ولأن (خير الرزقين) وحده من يُخرِج الرزق من العدم، وأما غيره فما هم إلَّا وسطاء في توصيل رزقه، وإنما أُطلِق عليهم رازقين على سبيل المجاز.

  • ولأن (خير الرزقين) يُعطي عطاءًا لا يدخله عَدٌّ، ولا يحويه حَدٌّ.

  • ولأن (خير الرزقين) يعلم ما يُصلِح كل عبدٍ من رزقٍ وما يفسده، فيعطيه ما يعلم أنه يناسبه.

  • ولأن (خير الرزقين) يَسْخَط ومع ذلك لا يقطع رزقه! وأما المخلوق فإذا سخِط قطع رِزقَه.

  • ولأن (خير الرزقين) يرزق الخلق بأصول الرزق من تربة، وماء، وهواء، وبذور، وهم يسخِّرونها زراعة وحرثًا وتصنيعًا؛ لتخرج إليك الأطعمة والآلات التي تنتفع بها، ولو حرم الله الخلق من أصول رزقه، لما وصل إليهم من \أرزاقهم شيءٌ.

ثالثًا: خمسة مواضع في القرآن فيها (خير الرازقين)

الآية الأولى: ادعوني به

وفيها توجيه إلى التوسل إلى الله، والدعاء بهذا الوصف (خير الرازقين):

{إذ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ}

لما علم عيسى عليه السلام صحة قصد الحواريين، وأنهم لا يسألونه تعجيزًا ولا تجربة، دعا الله بهذا الدعاء، فنادى ربه مرتين: مرة بوصف الألوهية (اللهم)، ومرة بوصف الربوبية الدال على المُلك، وحسن التدبير، والتربية، والإحسان (ربنا)، وقد ختم عيسى دعاءه بالتوسل إلى الله باسم من أسمائه وصفة من صفاته وهي (خير الرازقين).. إظهارًا لغاية التضرع، ومبالغة في الرجاء واستدعاء الرزق، وحتى يكون دعاؤه أرجى للقبول والإجابة.

قال الفخر الرازي في آداب الدعاء الذي رفعه عيسى عليه السلام إلى ربه:

«ثم إن عيسى لشدة صفاء دينه لما ذكر الرزق انتقل إلى الرازق بقوله (وَارْزُقْنا)، ولم يقف عليه، بل انتقل من الرزق إلى الرازق، فقال: (وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ).

الآية الثانية: اطمئنوا

طمأن الله بها من هاجر في سبيل الله بأن أرزاقهم لن تنقص؛ لأن الله (خَيْرُ الرَّازِقِينَ)، فقال:

(وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)

فهو سبحانه يرزق الخلق عامة البَّر منهم والفاجر، فكيف بمن هاجر إليه، وضحّى من أجله، وفي سبيله!

لما أُمِر الصحابة بالهجرة قال بعضهم: كيف نقدم بلدة ليس لنا فيها معيشة ورزق، فنزلت الآية:

}وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ{

وهي طمأنة لقلوب المدعوين إلى الهجرة، أو الذين هاجروا بالفعل، وانقطعت موارد أرزاقهم، فأعلمهم سبحانه أنه الذي يرزق الدواب في البر، والطيور في الجو، وتكفَّل بأرزاق الخلق، وما سعيهم في وجوه الأرض إلَّا مجرَّد أسباب موصلة إلى ما قدَّره الله- منذ الأزل- لهم من رزق، ولن ينال أحدٌ مهما جدَّ، وسعى غير ما قُدِّر له.

(وَإِيَّاكُمْ):

فبدأ الله بذكر الدواب، وقدَّمها على الإنسان المكرَّم مع أنه هو الأصل.. لماذا؟

لأننا نتوهَّم بقصورنا البشري أن هذه الدواب لن تستطيع تدبير رزقها، فلفت القرآن أنظارنا إلى أن الله يرزقها قبلنا؛ ولذا قدَّمها علينا.

والمعنى: كما يرزق الله هذه الدوابَّ التي لا حيلة لها في تحصيل رزقها، فكذلك تُرزَقون يا معشر المهاجرين، وإن بدا لكم انقطاع أسباب عيشكم.

عرف ربه الرَّزاق مَن اطمأن إلى رزقه المادي، كما يطمئن لتوفِّر هواء أنفاسه، ولا يحمِل هَمَّه.

ما عرف ربه الرَّزاق مَن اضطرب قلبه في ما يتعلَّق برزقه، فأصابه القلق والأمراض النفسية.

رزقك من أين؟

أورد القرطبي في تفسيره:

«قيل لبعضهم: من أين تأكل؟ فقال: الذي خلق الرحى يأتيها بالطحين، والذي شدق الأشداق هو خالق الأرزاق.

وقيل لأبي أسيد: من أين تأكل؟ فقال: سبحان الله، والله أكبر! إن الله يرزق الكلب.. أفلا يرزق أبا أسيد!

وقيل لحاتم الأصم: من أين تأكل؟

فقال: من عند الله، فقيل له: الله ينزل لك دنانير ودراهم من السماء!؟

فقال: كأن ماله إلَّا السماء!

يا هذا، الأرض له والسماء له، فإن لم يؤتني رزقي من السماء؛ ساقه لي من الأرض، ثم أنشد:

وكيف أخاف الفقر والله رازقي     ورازق هذا الخلق في العسر واليسر

تكفَّل بالأرزاق للخلق كلهم     وللضبِّ في البيداء والحوت في البحر»().

الآية الثالثة: استغنِ عن الخلق

أنكر الله بهذه الآية على المعرضين عن نبيه ودعوته، وكأن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) سألهم أجرًا، أو طلب منهم ثمنًا، فانصرفوا عنه:

}أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ{

والاستفهام هنا استنكاري، أي ما تسألهم أجرًا، فيعتذرون لك بسبب ذلك؛ بخلًا بأموالهم، والصحيح أن عطاء الخالق خيرٌ لك من عطاء أولئك الضعفاء الذين لا يملكون شيئًا، ولا يستغنون لحظة عن عطاء خير الرازقين، المالك لأرزاق الخلائق أجمعين.

الآية الرابعة: أنفق ولا تخْشَ

طمأن الله بها كل من بذل ماله في سبيل الله؛ لئلَّا يخاف من نقصان ماله، فقال:

}وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ{.

قال ابن كثير موضِّحًا طبيعة الإخلاف:

«يُخلِفُه عليكم بالبدل، وفي الآخرة بالجزاء والثواب»().

عرف ربه الرزاق مَن أيقن بالخلف، فجاد بالعطايا.

ما عرف ربه الرزاق مَن بخل بماله عن ربه، فلم يتصدَّق به، ولم يبذل.

والآية الخامسة: لا تنشغِل عنه

}وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ{

كان دحية بن خليفة الكلبي قد قدِم بالتجارة من الشام، وذلك قبل أن يُسلِم، وضُرِبَ لها طبلٌ يُعلِم الناس بقدومها، وكانت هذه عادتهم إذا قدمت عيرٌ، وكان ذلك أثناء الخطبة، فترك الصحابة النبي يخطب حتى ما بقي مع النبي (صلى الله عليه وسلم) إلا اثنا عشر صحابيًّا، منهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، وهنا قال النبي (صلى الله عليه وسلم):

« والذي نفسي بيده.. لو تتابعتم حتى لا يبقى منكم أحدٌ، لسال عليكم الوادي نارًا»().

فأعلمهم الله أن ما عنده من ثواب صلاتهم واستماع الخطبة خيرٌ لهم من لذة لهوهم وفوائد تجارتهم، (وإنْ حصل منها بعض المقاصد، فإن ذلك قليلٌ منغَّص، مُفوِّتٌ لخيرِ الآخرة، وليس الصبر على طاعة الله مُفوِّتًا للرزق، فإن الله خير الرازقين، فمن اتقى الله رزَقَه من حيث لا يحتسب، ومن قدَّم الاشتغال بالتجارة على طاعة الله لم يُبارَك له في ذلك، وكان هذا دليلًا على خُلُوِّ قلبه من ابتغاء الفضل من الله، وانقطاع قلبه عن ربه، وتعلُّقِه بالأسباب، وهذا ضررٌ محضٌ يعقُب الخسران) ().

عرف ربه الرزاق مَن لم يشغله الرزق عن الرزاق، ولا النعمة عن المُنعِم.

ما عرف ربه الرزاق مَن ألهاه الرزق عن الرزاق، والنعمة عن المُنعِم.

رابعًا: سمات الرزق

  • رزقك قديم، وليس بحديث:

قال عبد الله بن عمرو بن العاص : سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول:

«كتَبَ الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة»().

  • رزقك يطلبك!

«إن الرزق ليطلب العبد أكثر مما يطلبه أجله»().

فهل رأيت أحدًا قطُّ نجح في الهروب من الموت؟!

فكذلك لن يفلح أحدٌ في الهروب من الرزق، وهو تعبير نبوي بلاغي معجز! فقد تركض خلف رزقٍ لتدركه، وربما طلبك الرزق كذلك، لكنكما لن تلتقيا أبدًا إلَّا أن (يشاء) (الرزاق).

لكن آفة المرء الاستعجال، والله أعلم بما فطَرنا عليه؛ ولذا أوحى إلى نبينا (صلى الله عليه وسلم) لينصحنا:

«لا تستبطِئوا الرزق، فإنه لم يكن عبدٌ لِيَموتَ حتى يبلغه آخر رزقٍ هو له، فاتقوا الله، وأجمِلوا في الطلب»().

  • رزقك في السماء:

قال تعالى:

}وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ{

وهي آية تشير إلى فائدتين عظيمتين:

الأولى: أن رزقك في السماء، فلا تذِلَّ نفسك لمن في الأرض.

الثاني: أن ما عند الله لا يُبتغى إلَّا بطاعته.

ثم أقسم الله على هذا، فما الذي أحوجه إلى القسَم؟! وما هذا إلا لينزع الشك من قلوب المتردِّدين، ويغرس اليقين في قلوب المرتابين:

}فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ{

  • رزقك المادي أحقر الأرزاق

قال أبو الدرداء:

«يا بني، لا تُتبِع بصرك كلَّ ما ترى في الناس، فإنه من يُتبِع بصره كل ما يرى في الناس يَطُل تحزُّنه، ولا يشْفِ غيظه، ومن لا يعرف نعمة الله إلَّا في مطعمه أو مشربه؛ فقد قلَّ علمه، وحضر عذابه»().

وما هو خير الأرزاق وأوسعها على الإطلاق؟!

إنه ما شهد به أصدق الخلق وحبيب الحق (صلى الله عليه وسلم) في الحديث:

«ما رُزِقَ عبدٌ خيرًا له، ولا أوسع من الصبر»().

ولذا لما دعا الفاروق بالرزق دعا بأن يموت شهيدًا في سبيل الله! والشهادة هي ضياع الدنيا في سبيل كسب الآخرة، فقال :

«اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك (صلى الله عليه وسلم)»().

  • رزقك.. ليس بالكدِّ فقط تجنيه

فلابد من أن يأذن الله الرزاق الذي بيده وحده مفاتيح الأرزاق، فلربما افتقر ساعٍ، ورُزِق قاعد! وربما اغتنى بليد، وافتقر نشيط.

عرف ربه الرزاق مَن سعى على الرزق بالجوارح، وتوكل بالقلب.

ما عرف ربه الرزاق مَن سعى بالجوارح، واضطرب قلبه إن تأخَّر رزقه، أو امتنع.

خامسًا: فادعوه بها عبادة وعملًا

أولًا: محبة الله

قال- عز وجل-: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (يونس: 31)، فنبَّه الله سبحانه عباده إلى نعمه المرئية لكنها مخفية عن أصحاب القلوب الغافلة الشقية، وهذا متكرر في القرآن؛ ليغرس الحب في قلوب العباد لله وحده المستحق وحده للحمد؛ ولذا قال سبحانه في سورة الروم: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (الروم: 40).

والمحبة ثمرة من ثمار العمل بهذا الاسم الكريم (الرزاق)، فتنزل في قلوب أولياء الله وأصفيائه، وقد مَنَّ عليهم بأعظم الرزق وأنفعه، ألا وهو العلم النافع والعمل الصالح، وهو الرزق الحقيقي الباقي، وأما رزق الكفار والفُجّار فهو منقطع وزائل؛ ولذا قال سبحانه:

كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (20) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (الإسراء: 20- 21).

فيرزق (الرزاق) الشقي والتقي إلى أن يبلغا الأمد، ويستوفيا الأجل، ثم تتفاوت أحوالهما بعد الموت، وتتفرق بهما السبل، فمن أراد العاجلة فإلى جهنم، وأما مريدي الآخرة فإلى الجنة.

}وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا{: ممنوعا، فلا يمنع الله عطاءه الدنيوي عاصٍ لعصيانه؛ لأن عطاء الربوبية يناله المؤمن والكافر والطائع والعاصي، وأما عطاء الإيمان والعبودية، فهو عطاء المؤمنين لا يفوز به غيرهم.

فانظر يا محمد، {كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} (الإسراء: 21) في الرزق، فمن مُقِلٍّ ومُكثِر، ومُوسَّعٍ عليه، ومُقتَّرٍ عليه.. هذا فِي الدنيا.

{وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا} من الدنيا الفانية الزائلة، فإذا دخل أهل الجنة الجنات اقتسموا المنازل والدرجات، وما بين الدرجة والدرجة مسيرة عشرات السنوات، بل وأبعد ما بين الأرض والسماوات.

فرُبَّ فقير في الدنيا، وهو ملك من ملوك الآخرة.

وكم من ملكٍ في الدنيا.. صعلوكٍ في الآخرة.

فأحب الله لما حباك به من نور الإيمان، ونعمة الهداية، فهي النعمة الكبرى، والجائزة العظمى، والرزق الحقيقي.

ثانيًا: توكَّل في الرزق

سبحانه (الرزاق) المتفرِّد برزق عباده، المتكفل بأقواتهم، فلا مانع لما أعطى، ولا مُعطي لما منع، ولا مقرِّب لما باعد، ولا مباعد لما قرَّب، وإن اليقين بذلك يثمر التوكل الصادق على الله، والتعلق به وحده مع الأخذ بالأسباب، وهو ما يثمر سكينة القلب عند اضطراب الخلق، وعدم الهلع والخوف مهما اشتد؛ لأنك لن تموت حتى تستوفي رزقك وأجلك.

ثالثًا: لا تخف قطع الرزق

ويدخل هذا الاستعلاء على الباطل وأهله عندما يساومون المؤمن على رزقه في ترك الحق، أو يهدِّدونه لكي يسكت عن الباطل أو يميل معه.

إنها خطة قريش وهي تقاطع بني هاشم في الشعب؛ لينفضُّوا عن نصرة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ويسلموه للمشركين!

وهي خطة المنـافقين- كما تحكيـها هذه الآية- لينفضَّ أصحـاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عنه تحت وطأة الضيق والجوع!

وهي خطة الشيوعيين في حرمان المتدينين في بلادهم من بطاقات التموين؛ ليموتوا جوعًا أو يكفروا بالله، ويتركوا الصلاة!

وهي خطة غيرهم ممن يحاربون الدعوة إلى الله وحركة البعث الإسلامي في بلاد الإسلام، بالحصار والتجويع، ومحاولة سد أسباب العمل والارتزاق.

وهكذا يتوافى على هذه الوسيلة الخسيسة كل خصوم الإيمان، من قديم الزمان، إلى هذا الزمان.. ناسين الحقيقة البسيطة التي يذكرهم القرآن بها قبل ختام هذه الآية: وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ ...

وهكذا يثبِّت الله المؤمنين، ويقوّي قلوبهم على مواجهة هذه الخطة اللئيمة، والوسيلة الخسيسة التي يلجأ أعداء الله إليها في حربهم، ويطمئنهم إلى أن خزائن الله في السماوات والأرض هي خزائن الأرزاق للجميع»().

رابعًا: أكل الحلال واجتناب الحرام

من آمن بالرزاق لن يمد يده نحو الحرام من الأرزاق، ولو صبر العبد على اللقمة  الحرام لسعت إليه من طريق الحلال!

قال ابن عباس وهو يرسي قاعدة إيمانية هامة استقاها من فهمه لكتاب الله ومن كثرة ملازمته لرسول الله (صلى الله عليه وسلم):

«ما من مؤمن ولا فاجر إلَّا وقد كتب الله تعالى له رزقه من الحلال، فإن صبَر حتى يأتيه آتاه الله تعالى، وإن جزع فتناول شيئًا من الحرام نقصه الله من رزقه الحلال»().

خامسًا: عليك مفتاح خزائن الرزق: التقوى والصدقة

فالتقوى مفتاح المفاجات السعيدة، وكلما كنت أتقى جاءك رزقك الرائع (من حيث لا تحتسِب)، وأحلى الأرزاق ما كان فجأة.

فيا مستفتحًا أبواب الرزق بغير مفتاح التقوى:

كيف توسِّع طريق الخطايا، ثم تشكو ضيق الأرزاق؟!

أما علِمتَ أنك لو اتقيت الله لَما عسر عليك مطلوب، فالتقوى مفتاح ما انغلق من الأبواب، وسر تجاوز كل الصعاب.

ومفتاح الرزق الثاني هو الصدقة، فالمال كلما أخذت منه بالصدقة زاد! وبالإنفاق تزداد الأرزاق، ويجود الرزاق.

سادسًا: لا تركن لعبد الرزاق

استعِن بربك (الرزاق) على فقرك وضيق رزقك، ولا تبذل ماء وجهك ذلًّا واستعطافًا لأحد!

وكلما قويت الاستعانة بالخلق ضعف التعلق بالله، وإنما تكسب باستعانتك بهم بقدر ما تخسر من صلتك بِرَبِّك

سابعًا: الدعاء باسم الرزاق

الدعاء بما يناسب اسم الله الرزاق ما صحَّ من حديث أبي هريرة t أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:

(لا يقل أحدُكُم اللهم اغفر لي إِن شِئْت، ارحمنِي إِن شِئْت، ارزُقنِي إِن شِئْت، وليعزم مسألته، إنه يفعل ما يشاءُ، لا مُكْرِه له)().

وأبشِر مع دعائك برزق ربٍّ يرزق من يشاء بغير حساب، وحلِّق عاليا مع وصف:  (بغير حساب)، فمن معانيه:

  • يرزق من يشاء دون أن يحاسبه محاسب، أو يسأله سائل لم أنفق.

  • يرزق بغير تقتير، ولا يخاف من نفاد ماله عند إنفاقه.

  • يرزق من يشاء من حيث لا يتوقع ولا يحتسب.

  • يرزق دون أن يعاتِبه أحد على إنفاقه أو يناقشه في عطائه.

  • يرزق رزقا كثيرا لا يدخل تحت حصرٍ ولا عدٍّ.

ثامنًا: الرضا بالرزق، وإلَّا فالصبر عليه

كل من ضُيِّق عليه رزقه، فإن أمامه- مع مطالعة القدَر الإلهي- درجتان:

إما اعتبار أن قضاء الله في التضييق هو الأفضل لك، علمت ذلك أم لم تعلمه، فإن كنت محظوظًا لمحت عطاءه في منعه، ولطفه في شدته، فأورثك ذلك الرضا عنه!

وإن كنت أقل درجة وأضعف إيمانًا لمحت الثواب، فأورثك ذلك الصبر على قضائه.

ولذا كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري يوصيه بالأهم فالمهم، فقال:

«أما بعد، فإن الخير كلَّه في الرِّضا، فإن استطعت أن ترضى؛ وإلَّا فاصبر»().

سادسًا: فادعوه بها مسألة وطَلَبًا

«اللهم انفعني بما علَّمتني، وعلِّمني ما ينفعني، وارزقني علمًا تنفعني به».

«اللهم اغفر لي وارحمني، وعافني وارزقني».

«اللهم ارزقني عينين هطَّالتين، تشفيان القلب بذرف الدمع من خشيتك، قبل أن يكون الدَّمع دمًا، والأضراس جمرًا».

«اللهم ارزقني لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك».

«اللهم ارزقني حبَّك، وحُبَّ من ينفعني حُبَّه عندك، اللهم ما رزقتني مما أحب فاجعله قوةً لي فيما تحب، اللهم وما زويت عني مما أحب، فاجعله فراغًا لي في ما تحب».

«اللهم ارزقني حلالًا لا تعاقبني عليه، وقنِّعْني بما رزقتني».

«اللهم أرني الحق حقًّا وارزقنى اتباعه، وأرني الباطل باطلًا وارزقنى اجتنابه، ولا تجعله متشابهًا عليَّ فأتبع الهوى».

يا رزاق..

ارزقنا الزهد في الدنيا، ووسِّع علينا منها، ولا تزوِها عنا فترغِّبْنا فيها.

يا رزاق..

ارزقنا خير ما رزقت أولياءك الصالحين وعبادك المتقين من الِاسْتِغْنَاء بك عن الخلق أجمعين، وارزقنا حسن الافتقار إليك يا خير الرازقين.

يا رزاق..

ارزقنا من الخير أكثر مما نطلب، واصرف عنا كل شر في ديننا ودنيانا.

يا رزاق..

كيف أسترزق من لا يرزقني إلَّا من فضلك؟!

يا رزاق..

ارزقنا نفوسًا تقنع بعطائك، وترضى بقضائك، وتصبر على بلائك، وتوقن بلقائك، وتشكر لنعمائك.


شارك برأيك في الكتاب

ملحوظة: لو كنت من أعضاء الموقع ، فقم بتسجيل الدخول ثم أضف مشاركتك ، أما لو كنت ضيفا فيمكنك المشاركة مباشرة دون تسجيل بوضع بريدك الالكتورني واسمك ثم المشاركة مباشرة

 

شارك في صنع الكتاب بآرائك


مود الحماية
تحديث

 
#8 احمد شريف الخميس, 31 مارس 2016
تسلم ايدك و جزاك الله خيرا أنا استأذنك هنشره على دفعات فى صفحة
اقتباس
 
 
#7 amr goda الخميس, 10 مارس 2016
wonderful
اقتباس
 
 
#6 om sara sara السبت, 30 يناير 2016
أستغفر الله العظيم الذى لا اله الا هو الحى القيوم وأتوب اليه
اقتباس
 
 
#5 أحمد شعبان السبت, 28 نوفمبر 2015
ما شاء الله جميله
اقتباس
 
 
#4 نورجينا مجدى السبت, 24 أكتوبر 2015
و من علامات حب الله ايضا ان يمن عليه بالدين
* قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " وإن الله -عز وجل- يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا لمن يحب، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه، "
اقتباس
 
 
#3 نورجينا مجدى الجمعة, 23 أكتوبر 2015
كما ان الله يحب
* التوابين. و المتطهرين " إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِي نَ"
* المتقين " بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ "
* المحسنين " وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ "
* المتوكلين. "فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِي نَ "
* المقسطين " فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ "
* الصابرين "و اللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ "
* الذين يقاتلون فى سبيله صفا كل
اقتباس
 
 
#2 رشا سعد الأحد, 11 أكتوبر 2015
ممكن حضرتك تجمعلنا الأحاديث والايات التي توجب رحمة الله مكتوبة سواء هنا او في حساب الفيس بوك؟
اقتباس
 
 
#1 اميرة 22 الجمعة, 02 أكتوبر 2015
السلام عليكم اعجبتني كثيرا هذا الموضوع وجزاكم الله خيرا واسال الله ان ينفعنا به
اقتباس