اضغط كليك يمين ثم حفظ

ذو الجلال والإكرام

ألِظّوا (لازِموا الدعاء به وأكثِروا) بيا ذا الجلال والإكرام

أولا: معنى الجلال والإكرام

ذو الجلال: الجلال له معنيان:

المعنى الأول: العظَمة
يُقال: جلَّ الشيء أي عظُم، وأجللته أي عظَّمته، والأمر الجَلل: الأمر العظيم، ولا يُقال (الجلال) إلا لله عزَّ وجَلَّ. وذو الجلال هو المستحق للإجلال والتعظيم وسائر صفات المدح، بل لا شرَف ولا كمال إلَّا وهو له.

المعنى الثاني: التَّنزُّه عمَّا لا يليق
ومنه قولك: أنا أُجِلُّك عن كذا، أي: أنزِّهك وأرفعك عن هذا المستوى، فلا يليق بك أن تنزل إلى المستوى الرديء، وتفعل هذا القبيح، فأنت أجَلُّ من ذلك.

والإكرام: هو الإِحسان، فهو سبحانه المُكْرِم لأوليائه بالإنعام عليهم والإحسان إليهم، ولا كرامة ولا مَكْرُمة إلا وهي منه.

وقد رأى الإمام الرازي أن هذا الاسم (ذو الجلال والإكرام) يجمع في طياته جميع الأسماء الحسنى! فقال رحمه الله: «هذه الكلمة دالة على جميع الصفات المعتبرة في الإلهية.. أما الجلال فهو إشارة إلى السُّلوب، وأما الإكرام فهو إشارة إلى الإضافات»().

والسُّلوب: جمع سلب، والسلب: هو النفي: نفي النقائص، فهي من أسباب وشروط الجلال، لأن فيها تنزيه الله عن كل النقائص، فهو منزَّه عن العجز، وهو منزَّه عن العيوب، فهو الموصوف بكل صفات القدرة والكمال، وبذا يحصل الجلال. لكن ما أثر هاتين الصفتين على القلب؟!

قال الزروقي: «من عرف أنه ذو الجلال والإكرام هابه لمكان الجلال، وأنِس به لمكان الإكرام، فكان بين خوف ورجاء، وهو اسم الله الأعظم»(). ومن عرف جلال الله عز وجل فقد حصَّل أحد رُكني تعظيمه، فإن ركني التعظيم: معرفة جلال الله، ومعرفة حقارة النفس وجهلها وعجزها وضعفها، ويتولد من المعرفتين الاستكانة والانكسار، وهو ما يُعبَّر عنه بالتعظيم.

ثانيا: كيف غرسه في القلب!

أهم ذكر بعد الصلاة!
واسمع حديث عائشة: «كان إذا سلَّم لم يقعد إلا بمقدار ما يقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام»().
وهي خمس جرعات يومية لازمة لإنعاش القلب! والأمر بملازمة الذكر به مطلقا! وأمرنا النبي (صلى الله عليه وسلم) بالإكثار منه وملازمته سائر الأوقات والأحوال: «ألظّوا بِيا ذا الجلال والإِكرام»(). والإلظاظُ في اللغة: الملازَمةُ له والمثابَرةُ عليه والإكثارُ منه؛ ويقال: الإلظاظ: الإلحاح؛ وذلك حتى يستمدَّ القلبُ من هذا الذكر (جلال الله)، ويستقر في النَّفْس تعظيمه ومهابته.. وقد أورد الإمام القرطبي عن سعيد المقبري أنَّ رجلا ألحَّ فجعل يقول: اللهم يا ذا الجلال والإكرام! اللهم يا ذا الجلال والإكرام! فنودي: إني قد سمعت، فما حاجتك؟(). ويكفيه شرفا أنه قد يكون اسم الله الأعظم!
سمع النبي (صلى الله عليه وسلم) رجلاً يقول: اللهم لك الحمد، لا إله إلا أنت، وحدك لا شريك لك، المنّان، بديع السماوات والأرض، ذا الجلال والإكرام! فقال النبي (صلى الله عليه وسلم): (لقد سأَلتَ الله باسم اللهِ الأعظَم: الذي إذا دُعيَ به أجاب، وإذا سُئل به أَعْطَى)(). ولا أحد يعلم على وجه التعيين ما هو اسم الله الأعظم، ولكن هذ الدعاء يحويه، وهو ترغيب غير مباشر للإكثار من هذا الذكر رجاء الإجابة ولنيل العطاء، فاحفظه وحافظ عليه.

ثالثا: فادعوه بها عبادة وعملا
مداومة الذِّكر والدعاء به: لابد بعد اليوم أن يشكِّل هذا الاسم في دعائك وأذكارك كتلة أساسية غير منسية، وتوي بذكرك أنك تبني به صرح الإجلال في قلبك! فتقول بعد كل صلاة: اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركتَ يا ذا الجلال والإكرام.

وتكثر من الدعاء به كما أوصاك نبيك: (ألِظُّوا بيا ذا الجلال والإكرام)، فتقول في سؤالك حاجاتك: يا ذا الجلال والإكرام .. افعل لي كذا، ووفِّقني لكذا يا ذا الجلال والإكرام وتدعو الله بالدعاء الذي حوى اسمه الأعظم كما مرَّ بك.. والربط في الدعاء بين هاتين الصفتين (الجلال والإكرام) يغرس في القلب شعورا رائعا! فحين تدعو (ذا الجلال)، وهو من تنزَّه عن كل نقص، فإنك تشعر بالثقة والتوكل على من لا يخيب أبدا من استند إليه. وحين تدعو ذا (الإكرام)، فإنك واثقٌ في محبته وإرادته لك الخير، مما يفتح أمامك بوَّابات الرجاء على مصراعيها، ويُرجِّح في قلبك كفة حسن الظن بالله. ومن جمع بين صدق التوكل وحسن الظن بالله فقد قطع أعظم شوط في طريق إجابة الدعاء. عرف ربه ذا الجلال والإكرام من نفَّذ وصية نبيه بالإكثار وملازمة الدعاء بيا ذا الجلال والإكرام. ما عرف ربه ذا الجلال والإكرام من غفل عن الدعاء بيا ذا الجلال والإكرام، فلم يكن له حظٌّ يومي منه. ثلاث من علامات إجلال الله! قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «إنَّ مِنْ إجلال الله: إكرامَ ذي الشَّيْبَة المسلم، وحامل القرآن غَيْر الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السُّلْطان المُقسِط»(). هؤلاء الثلاثة من أحب الناس إلى الله، وأنت –كمؤمن- تُحِب من أحب الله، وتكره من أبغض، وهذا من إجلالك لربك، وإجلالك لهؤلاء هو إجلالٌ لمن أحبهم. عرف ربَّه ذا الجلال والإكرام من أجلَّ ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن وإكرام السلطان العادل.

ما عرف ربَّه ذا الجلال والإكرام من لم يُجِلَّ من أجلَّ الله كذي الشيبة المسلم وحامل القرآن وإكرام السلطان العادل.

اجتناب الصغائر!
قال أنس t لجموع التابعين: «إنَّكم لتعملون أعمالًا هي أدقُّ في أعينكم من الشَّعر، إن كنا لنعدُّها على عهد النبيِّ (صلى الله عليه وسلم) من الموبقات»(). وقد بوَّب عليه البخاريُّ بقوله: باب ما يُتَّقى من محقَّرات الذُّنوب. وسبب ذلك: «أنَّ معرفة الصحابة بجلال الله أتمُّ، فكانت الصغائر عندهم -بالإضافة إلى جلال الله تعالى -من الكبائر، وبهذا السبب يعظم من العالم ما لا يعظم من الجاهل، ويُتجاوز عن العامي في أمورٍ لا يُتجاوَز في أمثالها عن العارف؛ لأن الذنب والمخالفة يكبر بقدر معرفة المخالَف»(). يقول أبو حامد الغزالي إن الذنب يثقل في الميزان ويصبح أشد ضررا بصاحبه كلما زاد علمه بقدر ربه، فكلما زاد علمه عظُم الذنبُ منه! عرف ربَّه ذا الجلال والإكرام وأجلَّه من تنزَّه عن الصغائر والمكروهات فضلا عن المعاصي
والمُحرَّمات.
ما عرف ربَّه ذا الجلال والإكرام من استصغر الصغائر وتهاون في المكروهات، فسقط في الكبائر.

العبادة بدافع الإجلال أعلى العبادات:
وهو منجم ثوابٍ خفي لا يعلم به كثير من العُبَّاد! فاستفِد بما غرسه فيك هذا الاسم الجليل في إحراز نية جديدة تتقرَّب بها لرب العالمين! قال ابن قدامة : «والناس في النيات على أقسام: منهم من يكون عمله للطاعة إجابة لباعث الخوف. ومنهم من يكون عمله إجابة لباعث الرجاء. وثمة مقام أرفع من هذين، وهو أن يعمل الطاعة على نية جلال الله تعالى لاستحقاقه الطاعة والعبودية، وهذه لا تتيسر لراغبٍ في الدنيا، وهى أعز النيات وأعلاها، وقليلٌ من يفهمها، فضلاً عن أن يتعاطاها»(). فكلما تعدَّدت النوايا كلما عظم الأجر، وكلما اخترت نيات أشرف وأعظم كلما زاد ثوابك وثقل ميزانك! وقد بيَّن ابن رجب أن نياتٍ كثيرة قد تدفع إلى العمل الصالح الواحد، وهذه النيات تتباين في الثواب بحسب شرفها، وضرب لذلك مثلا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال: «واعلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تارة يحمل عليه رجاء ثوابه، وتارة خوفَ العقاب من تركه، وتارة الغضب لله على انتهاك محارمه، وتارة النصيحة للمؤمنين والرحمة لهم ورجاء إنقاذهم مما أوقعوا أنفسهم فيه من التعرض لغضب الله وعقوبته في الدنيا والآخرة، وتارة يَحْمِل عليه إجلال الله وإعظامه ومحبته، وأنه أهلٌ أن يُطاع فلا يُعصى، ويُذكَر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يُكفر»(). فاعبد الله بروح مختلفة، واجمع مع النيات القديمة نيةً عظيمة جديدة، واستشعر جلاله وتعظيمه، وتذوَّق معاني جديدة لعبادة، وأحرِز حسنات ودرجات تسبق بها غير الصالحين، وتصل بها لرضوان الرب الكريم. عرف ربَّه ذا الجلال والإكرام من أضاف إلى نيات عباداته نية إجلال الله تعالى.

ما عرف ربَّه ذا الجلال والإكرام من غابت عنه نية إجلال الله في عباداته وطاعاته.

رابعا: فادعوه بها مسألة وطلَبا!
يا ذا الجلال والإكرام.. أكرِمنا وإن كنا لا نستحق الإكرام، وأجِلَّنا عن مخالفة أوامرك ونواهيك
يا ذا الجلال الذي لا يوصف به إلا هو. يا ذا الجلال والإكرام.. أكرِم عبادا وقفوا بين يديك سائلين، ولجودك مفتقرين، ولنظرة رضا منك متوسِّلين..
يا ذا الجلال والإكرام.. أكرِمنا ولاتُهِنّا .. وزِدنا ولا تُنقِصنا .. وأعطنا ولا تحرِمنا.. وأعِزَّنا ولا تُذِلَّنا..
يا ذا الجلال والإكرام.. أجِلَّنا عن معاصيك، وعن أن لا نخاف منك ونتقيك.
يا ذا الجلال والإكرام.. أعتذر إليك من كل ذنب أفسدتُ به ما رزقتني، ثم استرزقتك على عصيانك فرزقتني، ثم استعنت برزقك على مخالفتك فستَرتني، ثم سألتك الزيادة فأعطيتني، ولم تزل عائدًا عليَّ بنعمائك وبإحسانك غمرتني.. فاغفر لي ذلك كله ولا تقطع عني ما به وصلتني ..

خامسا: حاسب نفسك تعرف ربك!
هل تحرص على الدعاء بيا ذا الجلال والإكرام بعد الصلوات الخمس، وبالذكر المطلق؟!
هل تتورع في عملك عن الاستفادة بما ليس لك من مستلزمات العمل؟!
هل تستكثر من المباحات ومنها إلى المكروهات ؟!
هل تجعل بينك وبين المحارم حاجزا من النوافل؟!
هل تجعل نية إجلال الله من نوايا عباداتك وطاعاتك.
هل تجد في قلبك إجلال من أجلَّ الله كذي الشيبة المسلم وحامل القرآن وإكرام السلطان العادل.


شارك برأيك في الكتاب

ملحوظة: لو كنت من أعضاء الموقع ، فقم بتسجيل الدخول ثم أضف مشاركتك ، أما لو كنت ضيفا فيمكنك المشاركة مباشرة دون تسجيل بوضع بريدك الالكتورني واسمك ثم المشاركة مباشرة

 

شارك في صنع الكتاب بآرائك


مود الحماية
تحديث

 
#8 احمد شريف الخميس, 31 مارس 2016
تسلم ايدك و جزاك الله خيرا أنا استأذنك هنشره على دفعات فى صفحة
اقتباس
 
 
#7 amr goda الخميس, 10 مارس 2016
wonderful
اقتباس
 
 
#6 om sara sara السبت, 30 يناير 2016
أستغفر الله العظيم الذى لا اله الا هو الحى القيوم وأتوب اليه
اقتباس
 
 
#5 أحمد شعبان السبت, 28 نوفمبر 2015
ما شاء الله جميله
اقتباس
 
 
#4 نورجينا مجدى السبت, 24 أكتوبر 2015
و من علامات حب الله ايضا ان يمن عليه بالدين
* قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " وإن الله -عز وجل- يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا لمن يحب، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه، "
اقتباس
 
 
#3 نورجينا مجدى الجمعة, 23 أكتوبر 2015
كما ان الله يحب
* التوابين. و المتطهرين " إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِي نَ"
* المتقين " بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ "
* المحسنين " وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ "
* المتوكلين. "فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِي نَ "
* المقسطين " فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ "
* الصابرين "و اللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ "
* الذين يقاتلون فى سبيله صفا كل
اقتباس
 
 
#2 رشا سعد الأحد, 11 أكتوبر 2015
ممكن حضرتك تجمعلنا الأحاديث والايات التي توجب رحمة الله مكتوبة سواء هنا او في حساب الفيس بوك؟
اقتباس
 
 
#1 اميرة 22 الجمعة, 02 أكتوبر 2015
السلام عليكم اعجبتني كثيرا هذا الموضوع وجزاكم الله خيرا واسال الله ان ينفعنا به
اقتباس