سبـــاق نحــو الجنــــان

مجموعة: أيقظ مارد الإيمان

كتاب يتناول صفات القلوب المتسابقة نحو الآخرة، ورسوم الاشتراك في السباق، مع ذكر الواحات التي تأوي إليها القلوب، والعقبات التي تعترضها، مع وصايا عشر تساعد على البدء فورا في السباق

وصية الإمام

وإن شئت أخذت بوصية الإمام الشهيد حسن البنا حيث خطب يومًا، وكان يتحدث عن الآخرة فقال: «ليذكر كل منكم ميتًا عزيزًا عليه، وليسأل نفسه: ترى .. ألن نلتقي مرة أخرى؟! وسيجد الجواب في أعماقها: بل سنلتقي، وذلك هو برهان الآخرة» 1، وأنعم بها من وصية يا إمام.

والآن تنفيذًا لوصيته: أغمض عينيك وجُل بخاطرك فيما مضى، وتذكر آخر ميت ودعته ممن تعرفه، واسأل نفسك: أين ستلقاه بعد اليوم؟

هل هذه هي النهاية؟. الموت.. العظام.. الرفات... ثم الذر مع الرياح؟ كلا! قد قالها يومًا أمية بن خلف:"قَالَ مَن يُحۡىِ ٱلۡعِظَـٰمَ وَهِىَ رَمِيمٌ۬" [يس: 78]، فأمر الله محمدًا أن يجيبه:"قُلۡ يُحۡيِيہَا ٱلَّذِىٓ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ۬‌ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلۡقٍ عَلِيمٌ"[يس: 79].

والآن بعد أن تذكرت هذا الفقيد واستحضرت صورته في ذهنك كن على يقين أنك لن تقابله إلا في:

(1) الجنة: حيث لقاء الإخوان المتحابين... في جنات النعيم على سرر متقابلين:"وَٱلۡمَلَـٰٓٮِٕكَةُ يَدۡخُلُونَ عَلَيۡہِم مِّن كُلِّ بَابٍ۬ (٢٣)سَلَـٰمٌ عَلَيۡكُم بِمَا صَبَرۡتُمۡ‌ۚ فَنِعۡمَ عُقۡبَى ٱلدَّارِ (٢٤)"[الرعد: 23، 24]، بما قدمتم وما سابقتم حتى وصلتم، فهذا لقاء تستحث له الخطا مهرولاً، وأنت في الدنيا تبغي اللحاق بهذا الأخ الصالح تشتاق إليه وإلى لقائه مثلما اشتاق شيخ أهل الشام أبو عبد الله خالد بن معدان، كان يستقبل فراشه كل ليلة وهو في شوق شديد إلى الرحيل، رائع الصدق في ذكر أحبابه الذين سبقوه إلى الله يسميهم واحدًا واحدًا  ويقول: «هم أصلي وفصلي، وإليهم يحنُّ قلبي، طال شوقي إليهم، فعجِّل ربي قبضي إليهم» 2، فإذا ما استجاب الله دعاءه، وقبضه إليهم كان اللقاء المرتقب يوم القيامة في ظل عرش الرحمن الذي أخبر بنفسه عن ذلك فقال: «حقَّت محبتي على المتحابين، أظلهم في ظل العرش يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظلي» 3.

ويتم عقد هذا اللقاء على منابر من نور صنعت لهم وحدهم دون غيرهم، يراها النبيون والشهداء فيتمنون مثلها، وعد الله الذي قال: «المتحابون في جلالي لهم منابر من نور، يغبطهم النبيون والشهداء» 4، فابشروا:"إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَاد"َ[الرعد: 31].

وأهل الجنة لهم أمارات وعلى رءوسهم تيجان وإشارات، وشهادة الناس بصلاحهم في الدنيا جواز مرور لهم إلى الجنة وشافع لهم عند الله، ولعل من بركاتها أنها تثير الغيرة التنافسية والتسابق الإيماني في أفئدة العقلاء. نظر الحسن إلى جنازة يزدحم الناس عليها فقال: ما لكم تزدحمون؟ ها هي سارية المسجد .. اقعدوا تحتها واصنعوا ما كان يصنع حتى تكونوا مثله!!

ومن هؤلاء رجل رحل اسمه عبد الله، غبطه الناس على صالح أعماله وجميل خصاله،  وطلبوا الوصول إلى ما وصل إليه فأنشدهم صاحبٌ له على قبره بعد أن دفنه:

يا من يؤمِّل أن تكون خصاله كخصال عبد الله أنصِت واسمعِ

فلأنصحنك في المروءة والذي حجَّالحجيج إليه فاقبل أو دعِ

اصدق وعفَّوبرَّوانصر واحتمل واحلم وكفَّودارِواصبر واشجع

(2) النار: وبئس القرار حيث التلاوم والعتاب، ومقاساة العذاب، هنالك تعض أصابع الندم حيث لا ينفع الندم"وَيَوۡمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيۡهِ يَقُولُ يَـٰلَيۡتَنِى ٱتَّخَذۡتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلاً۬ (٢٧)يَـٰوَيۡلَتَىٰ لَيۡتَنِى لَمۡ أَتَّخِذۡ فُلَانًا خَلِيلاً۬ (٢٨)لَّقَدۡ أَضَلَّنِى عَنِ ٱلذِّڪۡرِ بَعۡدَ إِذۡ جَآءَنِى‌ۗ وَڪَانَ ٱلشَّيۡطَـٰنُ لِلۡإِنسَـٰنِ خَذُولاً۬ (٢٩)"[الفرقان: 27- 29].

وإذا كان عموم البلاء في الدنيا، وكثرة المصابين يخفف وقع الآلام على النفس كما قالت الخنساء تنعي أخاها صخرًا:

ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلتُنفسي

فقد حيل بينك وبين هذا في الآخرة، فالدار غير الدار والحال غير الحال، "وَلَن يَنفَعَڪُمُ ٱلۡيَوۡمَ إِذ ظَّلَمۡتُمۡ أَنَّكُمۡ فِى ٱلۡعَذَابِ مُشۡتَرِكُون"َ[الزخرف: 39].

(3) أن تكون في الجنة وهو في النار: تنظر إليه، وأنت مشفق وجل مما تراه من حاله، وقد كشف الحجاب بينك وبينه، ولولا أن الله تعالى عرفه لك ما عرفته؛ لما تغير من لونه وهيئته فتناديه:"أَن قَدۡ وَجَدۡنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّ۬ا فَهَلۡ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمۡ حَقًّ۬ا‌ۖ قَالُواْ نَعَمۡ‌"ۚ[الأعراف: 44].

وياله من تبكيت يقطع نياط القلب ويحرقه بالحسرة والندامة، فتعمل هذه الكلمات أثرًا هو أشد من شرب الصديد وصب الحميم، أما كان يكفيهم تبكيت خزنة النار وهم على عتبة جهنم:"أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ رُسُلٌ۬ مِّنكُمۡ يَقُصُّونَ عَلَيۡڪُمۡ ءَايَـٰتِى وَيُنذِرُونَكُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَـٰذَا‌"[الأنعام: 130]، ثم يأتيهم تبكيت المؤمنين، عذاب فوق عذاب، وظلمة فوق ظلمة، أعاذنا الله من هذا المصير.

(4) أن تكون في النار وصاحبك في الجنة: تنظر إليه، وإلى ما حازه من نعيم ورضوان ترجوه وتتوسل إليه، والكلاليب المحماة تعمل أثرها في ظهرك، تناديه ومن معه من أهل الجنة "أَفِيضُواْ عَلَيۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ أَوۡ مِمَّا رَزَقَڪُمُ ٱللَّهُ‌" [الأعراف: 50]، ولكن هيهات هيهات "أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجۡتَرَحُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن نَّجۡعَلَهُمۡ كَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَوَآءً۬ مَّحۡيَاهُمۡ وَمَمَاتُہُمۡ‌ۚ سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ" [الجاثية: 21].

وبعد هذا التنبيه العام وجب قراءة هذا الاستجواب الإيماني لتعد نفسك لآخر مثله "يَوۡمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ۬ وَلَا بَنُونَ (٨٨)إِلَّا مَنۡ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلۡبٍ۬ سَلِيمٍ۬ (٨٩)"[الشعراء: 88، 89]، يوم تعلن نتيجة السباق، وصاحب هذا الاستجواب هو عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية.

كان عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية خِلاَّ وفيًّا وصاحبًا نجيًّا لعبد الملك بن مروان، فلما مات عبد الملك وتفرَّق الناس عن قبره وقف عليه، فقال: أنت عبد الملك الذي كنت تعدني فأرجوك وتتوعدني فأخافك!! أصبحتَ وليس معك من مُلكِك غير ثوبيك، وليس لك منه غير أربعة أذرع في عرض ذراعين!! ثم انقلب إلى أهله واجتهد في العبادة حتى عاتبه بعض أصحابه في ذلك، فاستجوب من عاتبه قائلاً: أسألك عن شيء تصدقني عنه.

قال: نعم.

قال: أخبرني عن حالتك التي أنت عليها .. أترضاها للموت؟!

قال الرجل: اللهم لا.

قال: فهل بعد الموت دار فيها مستعتب؟

قال: لا.

قال: أفتأمن أن يأتيك الموت على حالك التي أنت عليها؟

قال: اللهم لا.

قال: حال ما أقام عليها عاقل» 5.

فالعاقل هو الذي يتوب قبل الموت بأن لو قيل له: إنك تموت الساعة فإنه لا يجد عنده ذنبًا يحتاج إلى التوبة منه فيسأل الإمهال من أجله.

فهم هذا أبو نصر بشر بن الحارث فكان إذا ذُكِر عنده الموت يقول: «ينبغي لمن يعلم أنه سيموت أن يكون بمنزلة من جمع زاده فوضعه على رحله، ولم يدع شيئًا مما يحتاج إليه إلا وضعه عليه» 6، لذا قبل سفرك وجب أن تسأل نفسك: هل نسيتُ من زادي شيئًا؟

وهي نفس وصية أبي حازم سلمة بن دينار الذي قال عنه الذهبي: لم يكن في زمانه مثله، وكأن أبا حازم قد استنسخ وصية بشر السابقة بروحها وحروفها، وذلك حين قال لمن سأله النصيحة:

«كُلُّ ما لو جاءك الموت عليه فرأيته غنيمة فالزمه، وكُلُّ ما لو جاءك الموت عليه فرأيته مصيبة فاجتنبه» 7.


([1]) مع العارفين ص (187).

([2]) مع العارفين ص (101).

([3]) أخرجه ابن أبي الدنيا عن عبادة بن الصامت كما في ص ج ص رقم (4196).

([4]) رواه الترمذي عن معاذ كما في ص ج ص رقم (4188) وتخريج المشكاة رقم (5011).

([5]) صفة الصفوة (4/214) بتصرف - ط دار المعرفة - بيروت

([6]) التبصرة (1/278).

([7]) الإحياء (4/28).

 

اضف تعليقك

 
#4 AHMEDGADGOOD الخميس, 16 يناير 2014
ااحسنت واسال الله ان يكون ذلك فى ميزان حسناتك
اقتباس
 
 
#3 انس عبد الرحمن النجا الاثنين, 02 يوليو 2012
الكتاب ممتاز جدا انفعنا الله بلمك يا اشيخ خالد
اقتباس
 
 
#2 دعاء السبت, 18 سبتمبر 2010
ان رغبت فينا اتيناك وان ناديتنا سمعناك وان عزمت على قربناادنيناك وان زرفت الدمع من اجلنا فيا بشراك((انى اخاف ان يمسك عذاب من الرحمن ))
اقتباس
 
 
#1 Mohamed Elsamman الأحد, 13 يونيو 2010
سارعوا إلى مغفرة من ربكم
اقتباس
 
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية

احصائيات الموقع

حاليا يتواجد 127 زوار  على الموقع