رحلة البحث عن اليقين

مجموعة: أيقظ مارد الإيمان

يتناول معنى اليقين، وكيف غرس النبي (ص) اليقين، والعقبات التي تحول دونه، وتوائم اليقين، وكيف الوصول إليه

اليقين بالرزق

قال رسول الله (ص): «إن روح القدس نفث في رُوْعي: إن نفسًا لا تموت حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تطلبوه بمعاصي الله، فإن الله لا يُدرك ما عنده إلا بطاعته» 1.

أخي الحبيب...

اعلم أن الله لو قسم لك رزقًا وأردت أن تهرب منه ما استطعت منه فكاكًا. قال تعالى: "قُلۡ مَن ذَا ٱلَّذِى يَعۡصِمُكُم مِّنَ ٱللَّهِ إِنۡ أَرَادَ بِكُمۡ سُوٓءًا أَوۡ أَرَادَ بِكُمۡ رَحۡمَةً۬‌" [الأحزاب: 17].

وقال رسول الله (ص): «لو أن ابن آدم هرب من رزقه كما يهرب من الموت، لأدركه رزقه كما يدركه الموت» 2.

أما علمت يا أخي أن الله سبحانه قرن الرزق بالخلق فقال: "خَلَقَكُمۡ ثُمَّ رَزَقَكُمۡ" [الروم: 40]، فدلَّ أن الرزق من الله لا من الخلق؛ ثم لم يكتف بالدلالة حتى وعد فقال: "إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ" [الذاريات: 58]، ثم لم يكتف بالوعد حتى ضمن فقال: "وَمَا مِن دَآبَّةٍ۬ فِى ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ رِزۡقُهَا" [هود: 6]، ثم لم يكتب بالضمان حتى أقسم فقال: "فَوَرَبِّ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ إِنَّهُ ۥ لَحَقٌّ۬ مِّثۡلَ مَآ أَنَّكُمۡ تَنطِقُونَ"  [الذاريات: 23].

فمن لم يعتبر بقوله، ولم يكتف بوعده، ولم يطمئن إلى ضمانه، ولم يقنع بقسمه، فانظر كيف يكون مسلمًا، وإلى أي حد تدهور يقينه؟ هذه والله مصيبة المصائب ونحن عنها في غفلة عظيمة

رزقك مضمون .. مضمون

ï كان علي بن أبي طالب [ت: 40]يقول: إن أرجى ما يكون الرزق إذا قالوا: ليس في الدنيا دقيق!!

ï وكان مسروق بن الأجدع [ت: 62] سيد قراء أهل الكوفة لا يعبأ إذا شكت له امرأته نفاد الطعام لعياله، فيجيبها مبتسمًا: والله ليأتينهم الله برزق عندما يسمعها تقول: ليس عندهم طعام ولا درهم.

ï ولما شكا رجل إلى إبراهيم بن أدهم [ت: 161] كثرة عياله، صعقه إبراهيم ببرق وعظه قائلاً:

يا أخي .. انظر: كل من في منزلك ليس على الله رزقه فحوِّله إلى منزلي!

ï ويتحدى ميمون بن مهران [ت: 274] كل شاك في رزقه مكذِّب لوعد ربه فيقول:

«يقول أحدهم: اجلس في بيتك، وأغلق عليك بابك، وانظر هل يأتيك رزقك؟ نعم والله، لو كان له مثل يقين مريم وإبراهيم عليهما السلام، وأغلق بابه وأرخى عليه ستره».

ï بل يصف أحمد بن حنبل [ت: 241] أحلى أيام حياته فيقول:

«أسرُّ أيامي إليَّ يوم أصبح وليس عندي شيء».

ومن علامات أو ثمرات  اليقين بالرزق:

ï البعد عن الحسد: فإن الموقن أبعد الناس عن حسد غيره وتمني ما في يده والتطلع إلى زهرات الحياة الدنيا، لأنه لا يجتمع في قلب عبد يقين برزق واعتراض على تقسيم هذا الرزق، وما أجمل قول الشاعر المحشو يقينًا:

ألا قل لمن كان لي حاسدًا...... أتدري على من أسأت الأدب

أسـأتَ علـى الله في فعلـه...... لأنـك لـم تـرض لي ما وهب

فجازاك عنه بأن زادنــي...... وسـدَّ عليــك وجـــوه الطلـب

ï التطهر من أكل الحرام أو شبهة الحرام:لأن الموقن يؤمن أن رحلة الرزق قد ابتدأت عنده قبل أن يولد، وهو في طريق للوصول إليه عن طريق الحلال؛ إلا أن أصفار القلب من اليقين والظانين بالله ظن السوء يختارون ما يظنونه الأسرع، فيأكلون الحرام، ومن هذه صفته: لو لم يسرق لورث، ولو لم يرتش لاغتنى، ولو لم يمد يده إلى الحرام لأمطر عليه الحلال، ولكنكم قوم تستعجلون.

ï القناعة: والقناعة هي كما قال الجنيد [ت: 297]: «ألا تتجاوز إرادتك ما هو لك في وقتك» 3.

وحقيقة القناعة أن تترك التطلع إلى المفقود وتستغني بالموجود، وهي حكر على الموقنين الذين يتخذونها درجة في سلم يصعدون به إلى مقام أعلى ومنزلة أسمى؛ وهو مقام الرضا، فإن القناعة أول الرضا.

وعكس القناعة الطمع، وكما أن القناعة بنت اليقين، فإن الطمع ابن الشك. قال أبو بكر الوراق: «لو قيل للطمع: من أبوك؟! قال: الشك في المقدور، ولو قيل: ما حرفتك؟! قال: اكتساب الذل، ولو قيل: ما غايتك؟! قال: الحرمان» 4.

ï تفريغ الهم للآخرة: وجمع القلب على الله، وصيانة النفس من كل صارف عن الهدى، وطارد للخير

وإن التأمل في تصاريف الزمان، ومتابعة مسلسل الحياة اليومي يشهد لحتمية اليقين بأقدار الله والتسليم لها وتطليق القلق والخوف على الرزق، كما تعلَّم ذلك شاعر دقيق الملاحظة ماضي البصيرة فقال:

ألا رُبَّ باغٍ حاجة لا ينالها...... وآخـرقـد تُقـضــى لـه وهـو آيس

يحاولها هذا وتُقضى لغيره...... وتأتي الذي تُقضى له وهو جالس!!

لذا هاجمني وهاجمك ابن عطاء حين انصرفت هممنا إلى الدنيا ورجحت كفتها عن كفة الآخرة فقال: «اجتهادك فيما ضمن لك، وتقصيرك فيما طَلَب منك دليل على انطماس البصيرة منك».


([1])حسن: رواه ابن حبان والحاكم، وحسنه الألباني في الصحيحة رقم: 2866.

([2])حسن: رواه أبو نعيم في الحلية عن جابر ، وحسنه الألباني في ص ج ص رقم: 5240.

([3])حلية الأولياء 10/263.

([4])حلية الأولياء 10/236.

 

اضف تعليقك

 
#1 عبدالغني الجمعة, 13 أبريل 2012
بسم الله الرحمان الرحيم
تحية خالصة الى الدكتور خالد ابو شادي والطاقم الفني
الذي ايدن الله به يا شيخ ان نصلي على النبي صلى الله عليه وسلم
صلاة كملة ولا نرمز لها بحرف (ص) والامام النووي له كلام في ذلك افتى به الشيخ عبدالعزيز بن باز في هذا الموضوع فلتراجع ان شاء الله

ناصح
شكرا
اقتباس
 
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية

احصائيات الموقع

حاليا يتواجد 97 زوار  على الموقع