رحلة البحث عن اليقين

مجموعة: أيقظ مارد الإيمان

يتناول معنى اليقين، وكيف غرس النبي (ص) اليقين، والعقبات التي تحول دونه، وتوائم اليقين، وكيف الوصول إليه

الرضا

هو ارتفاع الجزع في أي حكم كان، واستقبال الأحكام بالفرح، وسكون القلب إلى قديم اختيار الله للعبد لأنه اختار له الأفضل.

ولذا لما سئل يحيى بن معاذ [ت: 258] متى يبلغ العبد إلى مقام الرضا؟ قال:

«إذا أقام نفسه على أربعة أصول فيما يعامل به ربه: إن أعطيتني قبلت، وإن منعتني رضيت، وإن تركتني عبدت، وإن دعوتني أجبت» 1.

ما علاقة الرضا باليقين؟

العلاقة جدُّ وثيقة؛ إذ كيف لا يرضى بمقدور الله من أيقن أن (الرحمن) أرحم بعباده من الأم بولدها، وكيف لا يرضى من أيقن أن الله سبحانه (العليم) يعلم ما يصلح عبده وما يضره والعبد جاهل لا يرى إلا تحت قدميه، وكيف لا يرضى من أيقن أنه سبحانه (اللطيف) يبتلي عباده بالمصائب ليطهرهم من خطايا تدخل النار وذنوب جزاؤها جهنم، وكيف لا يرضى من أيقن أنه سبحانه (الودود) يتودد إلى عباده بنعمه اللامحدودة "وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآ‌" [إبراهيم: 34]، ولاحظ أنه قال نعمة الله ولم يقل نعم الله لأن كل نعمة محشوة بنعم لا تُعدُّ ولا تُحصى، بل حتى المحنة حشوها نعم كثيرة.

العبـد ذو ضجـر والرب ذو قــدر..... والدهر ذو دول والرزق مقسوم

والخير أجمع في ما اختار خالقنا...... وفي اختيار سواه اللوم والشوم

لذا ما كان سهل التستري [ت: 283] مبالغًا حين قال: «حظ العبيد من اليقين على قدر حظهم من الرضا، وحظهم من الرضا على قدر عيشهم مع الله عز وجل» 2.

ولذا أيضًا عرَّف سفيان الثوري [ت: 161] اليقين بأنه الرضا حين قال: «اليقين أن لا تتهم مولاك في كل ما أصابك» 3.

وهو ما حكاه عبد الله بن مسعود [ت: 33] في تجربة عاش تفاصيلها بنفسه وشاهدها تتكرَّر أمام عينيه، فأبى إلا أن يقصها علينا لننتفع بها كما انتفع ونوقن:

«إن العبد ليُهِم بالأمر في التجارة، والإمارة حتى ييسر له، فينظر الله إليه فيقول للملائكة: اصرفوه عنه، فإن يسَّرته له أدخلته النار، فيصرفه الله عنه، فظل يتطير بقوله: سبَّني فلان، وأهانني فلان، وما هو إلا فضل الله عز وجل» 4.

وهكذا فهم سلفنا الأمر فتأدبوا مع الله وحسنت أخلاقهم مع أقداره، وأدركوا حكمته البالغة في كل ما يصنع، فامتلأت قلوبهم ببرد الرضا وثلج اليقين، واستوى عندهم السلب والعطاء، ومن أمثلة ذلك أنه لما قيل لأبي علي ابن الكاتب: إلى أي الجانبين أنت أميل .. إلى الفقر أو إلى الغنى؟!

فقال: إلى أعلاهما رتبة وأسناهما قدرًا، ثم أنشأ يقول:

ولست بنظَّار إلى جانب الغنى...... إذا كانت العلياء في جانب الفقـر

وإني لصبَّار على ما ينوبنـــي...... وحسبك أن الله أثنى على الصبر 5

هو أدب ورثوه وتعلموه من سيد المتأدبين مع ربه × الذي علمنا من دعائه كلما قام للصلاة أن يقول: «لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك» 6.


([1])تهذيب مدارج السالكين ص 598 ، 599.

([2])إحياء علوم الدين 4/366. أبو حامد الغزالي. ط دار الكتب العربية.

([3])الحلية 7/9.

(3) جامع العلوم والحكم ص 228.

(1)حلية الأولياء 10/360.

([6])صحيح: رواه مسلم في صحيحه 1/534 قال الإمام النووي: «وأما قوله: «والشر ليس إليك»؛ فمما يجب تأويله لأن مذهب أهل الحق أن كل المحدثات فعل الله تعالى وخلقه سواء خيرها وشرها، وحينئذٍ يجب تأويله وفيه خمسة أقوال أحدها: معناه لا يتقرب به إليك، والثاني: معناه لا يضاف إليك على انفراده؛ لا يقال يا خالق القردة والخنازير، ويا رب الشر ونحو هذا، وإن كان خالق كل شيء ورب كل شيء وحينئذ يدخل الشر في العموم، والثالث: معناه والشر لا يصعد إليك، إنما يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح، والرابع: معناه والشر ليس شرًّا بالنسبة إليك فإنك خلقته بحكمة بالغة، وإنما هو شر بالنسبة إلى المخلوقين، والخامس: أنه كقولك فلان إلى بني فلان إذا كان عداده فيهم أو وصفه إليهم» شرح النووي على مسلم بتصرف 6/59

 

اضف تعليقك

لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية

احصائيات الموقع

حاليا يتواجد 151 زوار  على الموقع